تنبيه: يوجد في نهاية المجلد الثامن من المجموع ((الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى)) إضافة فوائد جديدة لم تكن في المطبوع
شرح صحيح البخاري يوميا عدا الجمعة بعد صلاة المغرب بالمسجد النبوي

كلمة أخرى في توسعة المسعى

6/6/1429هـ



الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم وبارك على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

وبعد؛ فقد سبق أن كتبت كلمة بعنوان ((بهذا يحصل الاطمئنان لصحة السعي بالتوسعة الجديدة للمسعى)) ذكرت فيها أن السعي إنما يكون في المسعى القديم وأنه لا يجوز السعي في التوسعة الجديدة إلا إذا ثبت امتداد جبلي الصفا والمروة شرقاً بمقدار هذه التوسعة.

وبعد كتابة هذه الكلمة قامت الصحف بنشر مقالات وتصريحات كثيرة لمن يُعرف ومن لا يُعرف، فلذلك أحببت التنبيه إلى أمور:

الأول: أن هذه المقالات والتصريحات جمعتها إحدى المجلات، وقد اطلعت على كثير منها، وكلها تأييد لهذه التوسعة، وقليل منها يقول: إنها داخلة بين الجبلين، وكثير منها ليس فيه الإشارة إلى تقييد التوسعة بكونها بين الجبلين، وإذا ثبت بالبينة العادلة أن التوسعة الجديدة داخلة بين جبلي الصفا والمروة فإن السعي فيها صحيح، وإذا لم يثبت فإنه لا يصح؛ لأنه سعي ليس بين الصفا والمروة.

الثاني: جاء في بعض تلك المقالات والتصريحات أنه صدر صك من محكمة مكة يشتمل على شهادة شهود من كبار السن يشهدون بامتداد جبلي الصفا والمروة شرقاً بمقدار هذه التوسعة أو أكثر، وقد اطلعت على صورة الصك وليس فيه إثبات شهادات، بل اشتمل على تدوين إفادات لسبعة مواليدهم بين 1349هـ و1361هـ، أولهم لا يذكر شيئاً عن امتداد الجبلين شرقاً، وثالثهم لا يحدد امتداد المروة شرقاً بالمتر، وخامسهم لا يعرف شيئاً عن امتداد المروة.

والشهادات المعتبرة هي التي يثبتها القاضي بناءً على ثبوت عدالة الشهود، والمشهود به أمر خطير يتعلق بعبادة عظيمة هي ركن من أركان الحج والعمرة، والواجب على كل شاهد ألا يتقدم بشهادة في ذلك إلا بعد تحققه وجزمه بمشاهدة امتداد جبلي الصفا والمروة شرقاً بمقدار هذه التوسعة، ومن التساهل البيِّن أن ينوَّه بشهادة الشهود في هذا الصك مع عدم تضمنه ثبوت الشهادات بتزكية الشهود، ومع وضوح أن ثلاثة منهم لا يعلمون شيئاً عن امتداد الجبلين أو أحدهما شرقاً أصلاً أو بمقدار التوسعة.

الثالث: جاء في بعض تلك المقالات والتصريحات أن الشيخ عبد الله بن جبرين شاهد امتداد الجبلين شرقاً في أول حجة حجها، والذي نشر عنه في مجلة الدعوة في عددها الصادر في 26/3/1429هـ عدم جزمه بمقدار الامتداد، وذلك في قوله (ص 38): ((وقد أدركت أصل الصفا في سنة تسع وستين من القرن الماضي ورأيته ممتداً عن حده الذي كان عليه، وإن كنت لا أستطيع تحديد طوله، إلا أنه بلا شك أوسع مما كان عليه لما حدد موضع المسعى))، وقوله (ص39): ((ثم معلوم أيضا أن الصفا في الأصل يمتد من جهة الشرق، وقد رأيته أنا قبل ستين سنة في أول مرة حججت فيها البيت، رأيته ممتداً إلى مكان لا أحدده))، وأما قوله (ص 38): ((وإذا كان القصد من السعي ذكر الله تعالى فإنه يجوز السعي بين الجبلين أو ما يقاربهما وما يحاذيهما؛ لحصول المقصود الذي هو ذكر الله تعالى...)) ففيه نظر؛ لأن السعي بين ما يقارب الجبلين أو يحاذيهما لا يجوز لأنه ليس سعياً بين الصفا والمروة الذي أمرنا بفعله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (2/599): ((لو سعى في مسامتة المسعى وترك السعي بين الصفا والمروة لم يجزه)).

الرابع: جاء في بعض تلك المقالات والتصريحات قياس توسعة المسعى على توسعة المسجد، وأن الزيادة في المسجد لها حكم المزيد، فكذلك الزيادة في المسعى، وهو قياس غير صحيح؛ لأن المساجد يجوز توسيعها، والزيادة فيها لها حكم المزيد، وأما المسعى فهو مشعر يُتقيد فيه بما كان بين الصفا والمروة ولا تجوز الزيادة عليه، وإذا وُسع المسجد من الجهة الشرقية بمساحات واسعة فهو داخل في المسجد، وما كان منه بين الصفا والمروة فهو مسعى ومسجد.

الخامس: جاء في بعض تلك المقالات والتصريحات قياس توسعة المسعى على توسعة المطاف، وأن المطاف قد وُسع عما كان عليه من قبل، فكذلك يوسَّع المسعى، فالجواب أن الطواف يجوز داخل المسجد دون خارجه، بخلاف المسعى فإنه لا يجوز توسعته بمساحة خارجة عن كونها بين الصفا والمروة، قال ابن المنذر في الإجماع (ص62): ((وأجمعوا على أن الطواف لا يجزئه من خارج المسجد))، والقياس الصحيح أن يقال: إن السعي لا يجزئ إذا كان خارجاً عما بين الصفا والمروة، ومع هذا الإجماع فقد قال أحد الكاتبين: إن الطواف يجزئ من خارج المسجد!

السادس: جاء في بعض تلك المقالات والتصريحات أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، والجواب أن القاضي إذا حكم على خصم في مسألة مختلف فيها فليس للمحكوم عليه أن يعترض على حكمه لكون المسألة فيها خلاف؛ وذلك لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) رواه البخاري (7325) ومسلم (4487)، وهذا الاجتهاد في المسائل التي هي محل اجتهاد، وأما أماكن العبادة فالواجب التقيد فيها بالأدلة الشرعية، ومنها المسعى فإنه لا مجال فيه للاجتهاد بزيادة فيه تكون خارجة عما بين الصفا والمروة.

السابع: جاء في بعض تلك المقالات والتصريحات أنه بإجراء الحفريات في الجهة الشرقية من المسعى، وُجد التماثل بين الصخور التي تحت الأرض وحجارة الصفا والمروة، والجواب أن المعتبر في مسميات الجبال ما كان بارزاً فوق الأرض؛ لقول الله عز وجل: {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ}، وقوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا}، وقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا (107)}، ومسميات الجبال يُراد بها كل ما كان بارزاً، سواء في ذلك قممها وسفوحها، فمن جلس على قمة جبل أو سفحه يقال: إنه جالس على الجبل، ومن جلس على أرض مستوية قريبة من الجبل لا يقال: إنه جالس على الجبل ولو كانت جذور الجبل ممتدة تحت هذه الأرض المستوية.

الثامن: جاء في بعض تلك المقالات والتصريحات تجويز الزيادة في عرض المسعى وأنه أولى من الزيادة العلوية فيه، والجواب أن زيادة الأدوار في العلو في المسعى القديم متحقق كونها بين الصفا والمروة؛ لأن الهواء تابع للقرار، فهو مثله في الحكم، ومن ملك أرضا فإنه يملك ما يسامتها في الهواء، وأما الزيادة في عرض المسعى فهو مشكوك في تحقق صحة السعي فيها إلا بعد الثبوت الشرعي بكون الزيادة داخلة في حدود ما بين الصفا والمروة.

التاسع: جاء في أكثر تلك المقالات والتصريحات تجويز الزيادة في عرض المسعى إطلاقاً وبغير تقييد؛ لما في ذلك من التيسير ومراعاة المصلحة ودفع الحرج، وأنه يقال في ذلك افعل ولا حرج، والجواب أن التيسير ومراعاة مصالح الناس يجب التقيد فيه بالأدلة الشرعية، ومن ذلك أن يُتقيد في الزيادة في عرض المسعى بما يثبت أنه داخل بين الصفا والمروة دون زيادة على ذلك؛ لأن أماكن العبادة يجب التقيد فيها بالنصوص الدالة عليها، ومما يبين عدم صحة إطلاق الأخذ بقاعدة التيسير ورفع الحرج دون تقيد بالنصوص الشرعية أن المريض يجوز له أن يجمع بين الصلاتين لورود الدليل عليه، ولا يجوز له قصر الصلاة الرباعية مع أن فيه تيسيراً لعدم ورود ما يدل على ذلك.

العاشر: ومن أعجب ما جاء في تلك المقالات قول أحدهم كما في مجلة الدعوة العدد 2145 بتاريخ 24/5/1429هـ، (ص 37): ((ولو كانت التوسعة على شكل هلال يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة لانتهت المشكلة برمتها! فالساعون الأولون في هذه الحال يسعون في الوسط في خطوط مستقيمة، ثم الذين عن يمين المسعى (شرق) يسعون على شكل هلال، بحيث يبدؤون بالصفا ولو من جانبه الشرقي، ثم يتوجهون إلى المروة على شكل هلال حتى يصلونه (كذا) من الجانب الشرقي، فهذا طواف بهما ولو ابتعدوا عن الوسط ما ابتعدوا بسبب الزحام ما داموا بجانب الأصل، فهم يبدؤون بالوقوف بالصفا ثم ينتهون عند المروة، وهذا ما أمر الله به!)).

وهذا فقه جديد، ومن أخذ به يكون محروما من السعي بين الصفا والمروة، فإن من سعى من الصفا بادئاً من جهته الشرقية ومضى على شكل هلال حتى جاء المروة من الجهة الشرقية لا يكون ساعياً بين الصفا والمروة.

ثم قال هذا الكاتب: ((ومما يؤيد هذا أن الطواف حول البيت يتسع على شكل دوائر، ولم يقل أحد من أهل العلم: يجب أن لا يزيد مساحة الطواف عن كذا، وما دام الطواف حول الكعبة فهو طواف، وكذلك ما دام يطوف بالصفا والمروة فهو طواف ولو ابتعد!)).

وهذا قياس فاسد؛ لأن الطواف بالبيت صحيح بإجماع العلماء ما دام في داخل المسجد سواء كان قريباً من الكعبة أو بعيداً عنها كما مر نقله عن ابن المنذر، وأما السعي فهو مقيد بكونه بين الصفا والمروة، ولا يدخل في البينية السعي على شكل هلال ولو ابتعد كما زعم!

وأما لمزه بعض من لا يقول بالتوسعة الجديدة بأنه ((يرى قبول شهادة الواحد إذا ما شهد بإهلال هلال رمضان، وردَّ تقرير ألف عالم في الفلك يشهدون أن الهلال لم يهلَّ))، فلا أدري هل فكر هذا الكاتب في معنى هذا الكلام أو لم يفكر؛ فإن مقتضاه الأخذ بكلام الفلكيين وعدم الأخذ بقوله صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))! وهل يستساغ هذا ممن وصفته الصحافة بالمحدِّث؟! وهذا أيضا من الفقه الجديد!

الحادي عشر: أن من الحاقدين على ولاة الأمر في هذه البلاد وعلمائها من يلغ في أعراضهم ويتناولهم بالذم والتنقص، ومن ذلك وصفُ هيئة كبار العلماء في هذه البلاد بأنهم يقولون الشيء الذي يريده السلطان، وفي قول غالبية هيئة كبار العلماء بالاقتصار على المسعى القديم مع زيادة أدواره وعدم توسعته عرضا ما يبطل افتراءات الحاقدين المغرضين.

هذا ما أردت التنبيه عليه بعد الوقوف على كثير مما كتب حول توسعة المسعى، ومن أحسن ما وقفت عليه بحث بعنوان ((كلمة حق في توسعة المسعى)) منشور في الشبكة العالمية للدكتور صالح بن عبد العزيز سندي، وأسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وأسأله تعالى أن يجزي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز على ما بذله من جهود في تيسير أداء الحجاج حجهم في مبادرته إلى إقامة جسر الجمرات، وعلى ما أراده من التيسير في السعي بين الصفا والمروة، والمأمول منه حفظه الله الأمر بزيادة أدوار المسعى القديم ليسعى فيها من لا تطيب نفسه للسعي في التوسعة الجديدة، إذا لم يكن السعي في أدوار المسعى القديم ذهاباً وإياباً، والمأمول منه أيضا المبادرة إلى توسعة المطاف.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

إضافة أخيرة: وقد بلغني أن لدى المحكمة العامة بمكة المكرمة توجيها من خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله بإثبات شهادات كبار السن ممن يكون عندهم علم بامتداد جبلي الصفا والمروة من الجهة الشرقية، ولم أسمع حتى الآن (شهر شعبان 1432هـ) بصدور شيء في ذلك مع أن التأخير في إثبات شهادات هؤلاء الكبار قد يحصل معه وفاتهم قبل إثبات شهاداتهم.

عبد المحسن بن حمد العباد البدر