تنبيه: يوجد في نهاية المجلد الثامن من المجموع ((الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى)) إضافة فوائد جديدة لم تكن في المطبوع
شرح صحيح البخاري يوميا عدا الجمعة بعد صلاة المغرب بالمسجد النبوي

اتّباع بلاد الحرمين ملة الغربيين يرضيهم وما سواه يعجبهم ولا يكفيهم

1439/06/21هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فقد قال الله في كتابه العزيز في سورة البقرة: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}، وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على ثلاث جمل، الجملة الأولى: الإخبار ممن خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم بأن اليهود والنصارى لا يرضيهم من المسلمين إلا اتباع ملتهم بترك ما هم عليه من الحق واتباع ما هم عليه من الباطل، والثانية: قصر الحق والهدى على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة في قوله: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}، ومثلها قوله في سورة الأنعام: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}، وقوله في سورة آل عمران: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ}، فما كان في الكتاب والسنة حق وهدى وما سواه ضلال وعمى، والجملة الثالثة: فيها الوعيد الشديد في اتباع أهواء اليهود والنصارى وترك اتباع الحق، ومثل هذه الآية قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}، وقوله: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}.

ولن يرضي الغربيين في هذا الزمان عن المسلمين في بلاد الحرمين إلا اتباع ملتهم لقول الله عز وجل: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}،وأما ما سوى ذلك من مخالفة لما في الكتاب والسنة فإنه يعجب الغربيين ولكنه لا يكفيهم.

فيعجبهم ولا يكفيهم تعيين امرأة عميدة لكلية الطب بجامعة الطائف تكون مرجعاً للرجال موظفين وأساتذة وطلابا، وسبق أن كتبت كلمة بعنوان: «كارثة أخلاقية عظمى تحل بالشعب السعودي بقرار جائر من وزير التعليم».

ويعجبهم ولا يكفيهم إعلان مديرية الأمن العام عن وظائف نسائية عسكرية برتبة جندي تتقدم النساء بطلب شغلها في الفترة من 9 إلى 13 جمادى الآخرة 1439هـ.

ويعجبهم ولا يكفيهم اتخاذ وزير التعليم الدكتور أحمد العيسى قرارين هما: إدخال التربية البدنية في مدراس البنات، والإعداد لجمع البنين والبنات في الصف الأول والثاني في المرحلة الابتدائية يتولى تدريسهم نساء، وقد اشتمل القراران على تشكيل لجنتين يرأسهما امرأة للإشراف على  تنفيذ الأول والإعداد لتنفيذ الثاني، ذكرت ذلك في كلمة بعنوان: «بيان جنايات الدكتور أحمد العيسى وزير التعليم على العهد السلماني».

ويعجبهم ولا يكفيهم سعي التغريبيين لتعيين وكيلة لرئيس الهيئة العامة للرياضة للقسم النسائي، وقد نشرت هذا الخبر العربية بتاريخ 5/11/1437هـ، وذكرت أنها بعد تعيينها بأقل من أسبوع شهدت ألعابا في البرازيل وأن السعودية شاركت في هذه الألعاب بأحد عشر لاعبا منهم أربع لاعبات ذكرت أسماءهن، ذكرتُ ذلك في كلمة بعنوان: «بيان جناية التغريبيين على العهد السلماني والعهد الذي قبله».

ويعجبهم ولا يكفيهم سعي التغريبيين لتعيين امرأة نائبة لوزير العمل لشؤون التنمية الاجتماعية، وتعيين امرأتين في عضوية مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني.

ويعجبهم ولا يكفيهم حصول الاختلاط بين الرجال والنساء في بعض وسائل الإعلام، وحصول التحاور في الإذاعة بين الرجال والنساء من الزملاء والزميلات والتضاحك بينهم أحيانا كما هو واضح عند ذكر برامج الإذاعة، ومن أمثلة ذلك حوار في إذاعة الرياض بين زميل وزميلة في برنامج مدته ساعتان في خمسة أيام من الأسبوع يبدأ من الحادية عشرة قبل الظهر وينتهي بالواحدة بعد الظهر.

ويعجبهم ولا يكفيهم ما نشرته صحيفة الجزيرة يوم الأربعاء 5/6/1439هـ عن امرأة تطمع في دخول النساء في مجلس الوزراء وحملهن الحقائب الوزارية، والمنشور بعنوان: «ما خاب قوم ولوا أمرهم امرأة»! نعوذ بالله من الخذلان.

ويعجبهم ولا يكفيهم بيع النساء في الأسواق غير محجبات ومختلطات بالرجال، وقد كتبت في هذه الفتنة عدة كلمات، منها كلمة بعنوان: «زلزال مدمر للأخلاق حدث في بلاد الحرمين هذه الأيام بمكر التغريبيين».

ويعجبهم ولا يكفيهم سعي التغريبيين لإنشاء هيئة عامة للترفيه، فقد نشرت صحيفة الجزيرة في عددها 16083 بتاريخ 9/1/1438هـ معلومات عن هذه الهيئة وبيان مدى فرح المتبعين للشهوات بإنشائها، فقد جاء في الصحيفة: «تعلقت الآمال على هذه الهيئة لصناعة الفرح ومزاملة الدول الأخرى في هذا المجال الذي لطالما انتظره أبناء وبنات هذا الوطن بكثير من اللهفة»، ذكرت ذلك في كلمة بعنوان: «احذروا تدمير أخلاق الشعب السعودي أيها المسئولون في الهيئة العامة للترفيه»، وذكرت فيها بعض منكرات هذه الهيئة،ومن ذلك ما جاء في الصحيفة أيضا: «وكانت هيئة الترفية أفصحت عن برامجها وفعالياتها لعام 2016، والتي شملت عروضا فنية ومسرحية بحضور متوقع يصل إلى نصف مليون زائر تقريبا، وبعائد يصل إلى أكثر من 43 مليون ريال»، فإن الحضور المذكور يخشى عليه من زيادة الانفلات، والعائد المشار إليه سُحت نسأل الله أن يغني خزينة الدولة عنه من فضله، وقد قال الله عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، وقال: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ}

ويعجبهم ولا يكفيهم الإعلان من وزارة الإعلام بإحداث افتتاح دور السينما في بلاد الحرمين وموافقتها على إصدار تراخيص للراغبين في فتح دور للعرض السينمائي بالمملكة، ذكرت ذلك في كلمة بعنوان: «وزير الإعلام والتغريبيون يقررون إحداث دور السينما في بلاد الحرمين»

ويعجبهم ولا يكفيهم ابتعاث الأعداد الكبيرة للدراسة في جامعات الغرب وغيرها ثم يعودون ــ إلا من سلّم الله وقليل ما هم ــ معجبين ببلاد الغرب، يحبون نقل ديمقراطيتهم الزائفة إلى بلاد الحرمين لاسيما في انفلات النساء في سفورهن واختلاطهن بالرجال، ومن مكر التغريبيين للتوسع في الابتعاث سعيهم لإحداث برنامج أطلق عليه: «برنامج خادم الحرمين للابتعاث الخارجي» للتقوي بهذه التسمية على الاستكثار من المبتعثين، وذلك ابتداءا من عام 1426هـ وهو العام الذي تولى فيه الملك عبدالله رحمه الله، وقد كتبت في ذلك كلمة بعنوان: «خطر التوسع في الابتعاث على بلاد الحرمين»، وكلمة بعنوان: «الغربيون وأمثالهم هم المختطفون لأبنائنا وبناتنا والتغريبيون هم الذين وراء هذا الاختطاف».

ويعجبهم ولا يكفيهم سعي التغريبيين لاستصدار تنظيم لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترتب عليه إضعافها، وسبق أن كتبت كلمة بعنوان: «التغريبيون المتبعون للشهوات يريدون أن تميل هذه البلاد ميلا عظيما».

ويعجبهم ولا يكفيهم تحقيق رغبة التغريبيين في استعمال التاريخ الميلادي بدلا من التاريخ الهجري، وقد كتبت في ذلك كلمة بعنوان: «التغريبيون في بلاد الحرمين يرغبون تركها للتاريخ الهجري وأخذها بالميلادي».

ويعجبهم ولا يكفيهم سعي التغريبيين لتعيين مهندس درس في الغرب في إدارة الجامعة الإسلامية بالمدينة التي سبق أن تولى إدارتها شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله خمسة عشر عاما، وقد كتبت في ذلك كلمة بعنوان: «هذا هو الخليفة الثامن للشيخ عبدالعزيز بن باز في الجامعة الإسلامية»، قلت في آخرها: «إن من يطلع على شهاداته ومشاركاته وإنجازاته يجد أنها أجنبية عن رسالة الجامعة الإسلامية وتخصصاتها الشرعية»، وقلت: «ثم عمد التغريبيون في عهد خادم الحرمين الملك سلمان سلمه الله وأعز به دينه إلى ترشيح هذا المدير الذي توضح سيرته الذاتية عدم أهليته لهذا العمل العظيم، وما أعظم مصيبة من رشحه عند الله».

ويعجبهم ولا يكفيهم سعي التغريبيين لإضعاف الجامعتين الإسلاميتين العريقتين: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والجامعة الإسلامية بالمدينة، وذلك بإحداث كليات دنيوية تزاحم الكليات الشرعية كالذي حصل للأزهر من قبل بإحداث كليات دنيوية التي كانت سببا في إضعافه في تخصصه، وعندما كنت مسئولا في الجامعة الإسلامية قبل أربعين عاما زار الجامعة الدكتور صوفي أبو طالب مدير جامعة القاهرة فسألني قائلا: لماذا لا تفتح الجامعة كلية طب؟! فقلت: ولماذا لا تفتح جامعة القاهرة كلية شريعة؟! فقال: إن الأزهر كفانا ذلك، فقلت: وقد كفتنا الجامعات المتخصصة في الطب وغيره في المملكة ذلك، ذكرت ذلك في كلمة بعنوان: «من ذكرياتي عن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة بعد مرور نصف قرن على إنشائها»، وكلمة بعنوان: «من جهود التغريبيين الإفسادية للحكم والأخلاق في بلاد الحرمين»، قلت في آخرها: «فإن الخير لهاتين الجامعتين اقتصارهما على تخصصهما وتوفير جهود مجالسها والمسؤولين فيهما على هذا التخصص وتخليصهما من هذا النوع من الكليات الذي فيه إضعافهما في مجال اختصاصهما، وذلك بضم هذه الكليات في المدينة إلى جامعة طيبة وفي الرياض إلى جامعة الملك سعود، أو إنشاء جامعتين في المدينة والرياض تشتمل على هذه الكليات وغيرها».

ويعجبهم ولا يكفيهم سعي التغريبيين لدخول عدد من النساء مجلس الشورى وجلوسهن في مقابلة الرجال وفيهن السافرات وتزكية السفير البريطاني لهن بقوله: «فجميعهن من صاحبات الخبرات الدولية الرفيعة في جميع المجالات» كما في صحيفة الرياض بتاريخ 2/4/1434هـ، وسعيهم لدخول النساء في المجالس البلدية ترشحا وترشيحا، وقد نشرت صحيفة المدينة بتاريخ 3/3/1437هـ اهتمام الدول الأجنبية بهذا وبعثها خمسين صحفيا لتغطية هذا الحدث، ذكرت ذلك في كلمة بعنوان: «اهتمام الغربيين والتغريبيين البالغ بحدث دخول النساء في المجالس البلدية».

ويعجبهم ولا يكفيهم سعي التغريبيين لتمكين النساء من قيادة السيارات الذي يترتب عليه السفور والاختلاط، وقد كتبت ذلك في رسالة وعدة كلمات، «وبعد صدور أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله ووفقه لما فيه رضاه بتمكين النساء من قيادة السيارات فإن نصيحتي للراغبات في القيادة أن يتقين الله في أنفسهن وفي غيرهن، فلا يحصل منهن ما يعود عليهن بالضرر والعواقب الوخيمة في الدنيا والآخرة، وأما الغالبية العظمى من الشعب السعودي المحافظة على الحجاب والسلامة من الاختلاط بين الجنسين فنصيحتي لهم نساء وأولياء أمور: البقاء على الاحتجاب والبعد عن الاختلاط بالرجال والاستغناء عن قيادة السيارات؛ فإن السلامة من الشرور في هذا البقاء محققة، والسلامة لا يعدلها شيء» ذكرت ذلك في كلمة بعنوان: «وزير التعليم والتغريبيون يسعون بضراوة لتدمير بلاد الحرمين».

وهذه الأمور التي مر ذكرها مما يعجب الغربيين ولا يكفيهم هي من قبيل اتباع الشهوات، وقد قال الله عز وجل: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}، وقال صلى الله عليه وسلم: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» رواه مسلم (7130)، والمسلم الناصح لنفسه يصبر على الطاعات ولو شقت على النفوس لأن العاقبة حميدة، ويصبر عن المعاصي وإن مالت إليها النفوس لأنه بدون الصبر عنها تكون العاقبة وخيمة، وفي فتح الباري (13/541): «وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفة السيئة؟ فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت، فلا يحملنك ثقلها على تركها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفت، فلا يحملنك خفتها على ارتكابها».

وأسأل الله عز وجل أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يحفظ على بلاد الحرمين أمنها وإيمانها وسلامتها وإسلامها، وأن يوفق ولاة الأمر فيها لما فيه صلاحهم وصلاح البلاد والعباد، إنه سميع مجيب.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.