تنبيه: يوجد في نهاية المجلد الثامن من المجموع ((الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى)) إضافة فوائد جديدة لم تكن في المطبوع
شرح صحيح البخاري يوميا عدا الجمعة بعد صلاة المغرب بالمسجد النبوي

كارثة أخلاقية أخرى في تولية النساء على الرجال هي أنكى

1439/12/17هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على الصادق الأمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فسبق أن نشرت صحيفة عكاظ بعددها المؤرخ 30/5/1438هـ تفاصيل خبر تعيين امرأة عميدة لكلية الطب بجامعة الطائف تكون مرجعا للرجال والنساء من مدرسين وطلاب وموظفين بقرار من وزير التعليم أحمد العيسى وبترشيح من مدير جامعة الطائف حسام بن عبدالوهاب زمان، وكتبت في حينه كلمة في إنكار هذا الأمر المنكر بعنوان: «كارثة أخلاقية عظمى تحل بالشعب السعودي بقرار جائر من وزير التعليم» نشرت في 12/6/1438هـ، ومع الأسف فقد مضى على ذلك أكثر من عام ونصف عام وقد بقي فيها ما كان على ما كان.

وقبل أيام نشرت صحيفة الجزيرة في عددها 16760 بتاريخ السابع من شهر ذي الحجة 1439هـ، خبر إقدام جامعة الإمام على تعيين ثلاث عميدات يكن فيها مرجعا للرجال، وقد عنونت الصحيفة لهذا الحدث المؤلم بقولها: «تكليف 8 قياديات منهن 3 عميدات ودعم البنية الإدارية بـ(26) تكليفا لمهام قيادية أخرى ــ جامعة الإمام تتصدر المؤسسات الأكاديمية السعودية في تمكين المرأة»، وقد جاء في الصحيفة ما يلي: «سعياً من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للتحديث وتطوير كوادرها بما يتواكب مع رؤية المملكة 2030، وتفعيل مهمتها الريادية في تعزيز قيم الوسطية والاعتدال، ومواجهة التطرف والغلو بكل أشكاله وصوره وغرس مفاهيم المواطنة الصالحة والولاء للدين، ثم لولاة الأمر والوطن، ‏ومواجهة الفكر المتطرف والغُلو بكل أشكاله وصوره، فقد صدرت موافقة معالي وزير التعليم د.أحمد العيسى، بناءً على ما رفعه معالي مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الشيخ أ.د.سليمان بن عبدالله أبا الخيل عضو هيئة كبار العلماء، على عدد من التكليفات الجديدة في مهام وأعمال قيادية وإدارية رجالية ونسائية بالجامعة»، ثم ذكرت الصحيفة أسماء ثمانية عشر رجلا كلفوا بأعمال قيادية وثلاث نساء كلفن بعمادات يكن فيها مرجعا للرجال قالت عنهن الصحيفة: «تكليف الدكتورة مها بنت دخيل الله الخثعمي عميدة لعمادة شؤون المكتبات، كأول عميدة تتولى مهام هذه الوحدة»، «تكليف الدكتورة خلود بنت فواز التميمي عميدة للتقويم والجودة كأول عميدة في هذا المنصب»، «تكليف الدكتورة سوسن بنت عبدالكريم المؤمن عميدةً لمركز خدمات التوظيف والأعمال الريادية».

ثم ذكرت الصحيفة عن المتحدث الرسمي للجامعة أحمد الركبان صدور موافقة مدير جامعة الإمام على تكليف عدد من القيادات الإدارية في مدينة الملك عبدالله للطالبات ذكرت أسماءهن وأعمالهن، ثم قالت: «‏وأكد الركبان أن تلك التكليفات في جامعة الإمام تأتي وفق رؤيتها أن تكون الجامعة رائدة في كل المجالات التي تخدم الوطن الغالي وتطلعات ولاة الأمر في تحقيق رؤية المملكة 2030 والتحول الوطني 2020، مقدماً شكره لوزير التعليم على دعمه المستمر للجامعة ومسيرتها، ‏مثنياً في الوقت نفسه على الزملاء الذين قدموا خدمات تذكر فتشكر طيلة عملهم».

وأنبه حول هذا الخبر الذي نشرته صحيفة الجزيرة عن جامعة الإمام إلى ما يلي:

1. هذا الخبر عن موافقة وزير التعليم على تكليف مدير جامعة الإمام ثلاث نسوة في عمادات يكن فيها مرجعا للرجال هو امتداد لقراره الجائر بتعيين امرأة بكلية الطب بجامعة الطائف، ومن العقوبة على السيئة الابتلاء بسيئة بعدها.

2. هذا التكليف من مدير جامعة الإمام للنساء الثلاث هو أشد وأنكى من تعيين امرأة بجامعة الطائف؛ لأن مدير جامعة الطائف ووزير التعليم أجنبيان عن العلم الشرعي، أما مدير جامعة الإمام فهو محسوب ضمن المشتغلين بالعلم الشرعي ويتردد عند ذكره الوصف بعضوية كبار العلماء، فحصول هذا الحدث المؤلم منه له أثر بالغ على المشتغلين بالعلم الشرعي كما قال الشاعر:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة         على المرء من وقع الحسام المهند

وإن خيل جامعة الإمام أشد نكاية على المشتغلين بالعلم الشرعي من حسام جامعة الطائف.

3. ما جاء في الصحيفة من وصف تعيينات للنساء في مناصب قيادية أن فيه تعزيزا لقيم الوسطية والاعتدال ومواجهة التطرف والغلو بكل أشكاله وصوره، أقول: إن الوسطية والاعتدال إنما تكون بين طرفين متقابلين، وأحد الطرفين وهو الغلو والتطرف قد ذكر، ولم يذكر الطرف الثاني الذي هو الذوبان والانفلات، قال الشاعر:

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد         كلا طرفي قصد الأمور ذميم

وتعيين النساء في مناصب يكنَّ فيها مرجعا للرجال ليس من الوسطية والاعتدال، بل هو من الذوبان والانفلات، وهذا النوع المزعوم من الوسطية والاعتدال لا تعرفه هذه البلاد قبل عدة سنوات ولا يعرفه علماؤها الكبار كالشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد بن عثمين رحمهم الله.

4. جعل النساء في مناصب يتبعهن الرجال فيه تحقيق الاختلاط المذموم بين الرجال والنساء، ومن أوضح الأدلة على منع ذلك أن النساء في زمنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحضرن مجالس حديثه صلى الله عليه وسلم مع الرجال، فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «جاءت امرأة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، فقال: اجتمعن في يوم كذا وكذا، فاجتمعن، فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله»الحديث رواه البخاري (7310) ومسلم (6699)، ومما يدل على منع تولية النساء على الرجال قوله صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري (4425) وغيره، قال البغوي في شرح السنة (10/77): «اتفقوا على أنَّ المرأة لا تصلح أن تكون إماماً ولا قاضياً؛ لأنَّ الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد والقيام بأمور المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز»، وقال ابن قدامة في المغني (14/13): «ولا تصلح للإمامة العظمى، ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يول النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ولا مَن بعدهم امرأة قضاءً ولا ولاية بلدٍ، فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يَخلُ منه جميع الزمان غالباً»، وكانت وفاة ابن قدامة سنة (620هـ).

ومن الخير لمدير جامعة الإمام ووزير التعليم الرجوع عن هذا الأمر المنكر؛ لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

ومما زاد الطينة بلة والخرق اتساعا والأمر ذوبانا إقامة حفل بجامعة الإمام حضره مديرها قُرعت فيه الطبول، وا عجبا ووا أسفا والله المستعان، نُشر هذا الخبر في صحيفة عكاظ بتاريخ 4/11/1439هـ.

وأسأل الله عز وجل أن يسلم بلاد الحرمين من المعايب التي تجلب المصائب، وأن يحفظ لها أمنها وإيمانها وسلامتها وإسلامها، وأن يوفق ولاة أمرها لكل ما فيه الخير لهم وللمسلمين في داخل البلاد وخارجها، إنه سميع مجيب.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.