تنبيه: يوجد في نهاية المجلد الثامن من المجموع ((الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى)) إضافة فوائد جديدة لم تكن في المطبوع
شرح صحيح البخاري يوميا عدا الجمعة بعد صلاة المغرب بالمسجد النبوي

ليس سائغا تعطيل الزيادة القبلية في المسجد النبوي من الصلاة فيها

1439/05/09هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله  نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فقد حصل في أواخر شهر ربيع الآخر من هذا العام 1439هـ، تحويل موقف الإمام في المسجد النبوي في الصلوات الخمس من مقدّم الزيادة القبلية فيه إلى مقدّم الروضة في المسجد الأول، ومن المعلوم أن الزيادة القبلية في المسجد النبوي حصلت من عمر وعثمان رضي الله عنهما، وهي من سنن الخلفاء الراشدين، وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» رواه أصحاب السنن إلا النسائي، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، ومن المعلوم أيضا أن بناء المساجد والزيادة فيها من جملة الأوقاف والصدقات الجارية، وفي تحويل الإمام والصفوف التي تليه عن الزيادة القبلية إضاعة لهذه السنة وتعطيل لهذا الوقف، وهو الذي عليه عمل المسلمين كلهم كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فليس من السائغ شرعاً ترك سنة وتعطيل وقف مضى عليهما أكثر من 1400 عام،  وقد ذكرت في رسالة «فضل المدينة وآداب سكناها وزيارتها» المطبوعة لأول مرة في عام 1421هـ، ذكرت أموراً تتعلق بالمسجد النبوي، منها: «الثاني: أنَّ التضعيفَ الواردَ في الحديثِ ليس مُختصًّا في البقعة التي هي المسجد في زمانه صلى الله عليه وسلم، بل لَها ولكلِّ ما أُضيفَ إلى المسجدِ من زياداتٍ، ويَدلُّ على ذلك أنَّ الخليفَتَيْن الرَّاشدَين عمر وعثمان رضي الله عنهما زادا المسجد من الجهةِ الأماميَّة، ومِن المعلومِ أنَّ الإمامَ والصفوفَ التي تلِيه في الزيادة خارجُ المسجد الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، فلولا أنَّ الزيادةَ لَها حكمُ المزيد لَما زاد هذان الخليفتان المسجدَ من الجهةِ الأمامية، وقد كان الصحابةُ في وقتِهما متوافِرِين ولَم يعتَرِض أحدٌ على فِعلِهما، وهو واضحُ الدِّلالةِ على أنَّ التضعيفَ ليس خاصًّا بالبُقعةِ التي كانت هي المسجد في زمنِه صلى الله عليه وسلم، الثالث: في المسجد بُقعةٌ وَصَفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّها رَوضَةٌ من رياض الجَنَّةِ، وذلك في قولِه صلى الله عليه وسلم: «ما بين بَيتِي ومِنبَري رَوضةٌ من رياض الجَنَّة» رواه البخاري ومسلم، وتَخصيصُها بهذا الوصفِ دون غيرها من المسجدِ يدلُّ على فضلِها وتَميُّزِها، وذلك يكون بأداء النَّوافِلِ فيها، وكذا ذِكر الله وقراءةُ القرآن فيها إذا لَم يَحصل إضرارٌ بأحدٍ فيها أو في الوصولِ إليها، أمَّا صلاةُ الفريضةِ فإنَّ أداءَها في الصفوفِ الأماميَّة أفضلُ؛ لقولِه صلى الله عليه وسلم: «خيرُ صفوفِ الرِّجال أوَّلُها وشرُّها آخرُها»، رواه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يَعلمُ الناسُ ما في النِّداءِ والصفِّ الأولِ، ثمَّ لَم يَجِدوا إلَّا أن يسْتَهِموا عليه لاسْتهَموا عليه»، رواه البخاري ومسلم» وقد طبعت هذه الرسالة طبعات كثيرة، وهي ضمن مجموعة كتبي ورسائلي (6/123ـ159).

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرد على الإخنائي «الْإِخْنَائِيَّةُ»: (ص249): «وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد تضعف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد فيجوز الطواف فيه والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجًا منه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده ويأمرون بذلك»، إلى أن قال: «وهذا الذي جاءت به الآثار، وهو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل، وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان، فإن كلاً منهما زاد من قبلي المسجد فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا، لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت لمن ذكر ذلك سلفًا من العلماء»، وقال كما في «مجموع الفتاوى» (16/146): «ومسجده كان أصغر مما هو اليوم وكذلك المسجد الحرام، لكن زاد فيهما الخلفاء الراشدون ومن بعدهم، وحكم الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام».

وقال شيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في منسكه «التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب والسنة» كما في مجموع فتاواه (16/103): «أما صلاة الفريضة فينبغي للزائر وغيره أن يتقدم إليها، ويحافظ على الصف الأول مهما استطاع، وإن كان في الزيادة القبلية؛ لما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحث والترغيب في الصف الأول» إلى أن قال: «والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تعم مسجده صلى الله عليه وسلم وغيره قبل الزيادة وبعدها، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحث أصحابه على ميامن الصفوف، ومعلوم أن يمين الصف في مسجده الأول وخارج الروضة، فعلم بذلك أن العناية بالصفوف الأول وميامن الصفوف مقدمة على العناية بالروضة الشريفة، وأن المحافظة عليهما أولى من المحافظة على الصلاة في الروضة، وهذا بَيِّن واضح لمن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب. والله الموفق».

وأورد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في «السلسلة الضعيفة» حديثا ضعيفا برقم (973)، قال بعده : «ثم إن معناه صحيح، يشهد له عمل السلف به حين زاد عمر وعثمان في مسجده صلى الله عليه وسلم من جهة القبلة، فكان يقف الإمام في الزيادة ووراءه الصحابة في الصف الأول، فما كانوا يتأخرون إلى المسجد القديم كما يفعل بعض الناس اليوم».

أما زيارة القبر الشريف فيبقى الأمر فيها على ما كان عليه قبل ذلك، ولا تترك الصلاة في الزيادة القبلية من أجلها، والحل الأمثل الذي تحصل به المنفعة وتنتفي المضرة أن يوضع حاجز ساتر رفيع بين الزيادة التي أمام الروضة والزيادة التي أمام القبر، ويفتح باب واسع مقابل القبر الشريف يدخل منه الزائرون للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والصاحبين الكريمين ويخرجون من باب البقيع.

والمأمول ممن يعنيهم الأمر العمل على بقاء الإمام والصفوف الأُول في الزيادة القبلية، والسعي لدى خادم الحرمين الملك سلمان حفظه الله لطلب الإذن بفتح الباب المشار إليه، وقد فتح في الآونة الأخيرة في قبلة المسجد باب يدخل منه الأئمة ويصلى فيه على الجنائز.

وأسأل الله عز وجل أن يوفق الجميع لما يرضيه ويقرب إليه، إنه سميع مجيب.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.