تنبيه: يوجد في نهاية المجلد الثامن من المجموع ((الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى)) إضافة فوائد جديدة لم تكن في المطبوع
شرح صحيح البخاري يوميا عدا الجمعة بعد صلاة المغرب بالمسجد النبوي

من أعجب العجب سعي من كان عاقلاً لأن يكون مجنوناً

17/03/1436هـ.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فهذه كلمات نصح وإشفاق فيها عبر وعظات أقدمها لكل من ابتلي بشرب الخمر من المسلمين، وأسأل الله أن ينفع بها من يطلع عليها.

 

1- الخمر يطلق على كل مسكر يغطي العقل سواء كان سائلاً أو جامداً، وهي حرام بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}، وأما السنة فقد كثرت فيها الأحاديث حتى بلغت حد التواتر، كما في المغني لابن قدامة (12/493)، منها حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل شراب أسكر فهو حرام» رواه البخاري (242) ومسلم (5213)، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة» رواه مسلم (5218)، وفي صحيح البخاري (5598) عن أبي الجويرية قال: «سألت ابن عباس عن الباذق، فقال: سبق محمد الباذق، فما أسكر فهو حرام، قال الشراب الحلال الطيب، قال: ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث» والباذق نوعٌ من الأشربة، والمعنى أنَّ الباذق لم يكن في زمنه، ولكن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مستوعب له ولغيره، وذلك في عموم قوله: «ما أسكر فهو حرام»، فإنَّ عموم هذا الحديث يدلُّ على أنَّ كلَّ مسكر مِمَّا كان في زمنه أو وُجد بعد زمنه، سواء كان سائلاً أو جامداً، فهو حرام، وأنَّ ما لم يكن كذلك فهو حلال»، وفي جامع الترمذي (1295) بإسناد حسن عن أنس رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له»، وله شاهد يقويه عن ابن عمر رضي الله عنهما عند أبي دود (3674) وابن ماجه (3380).

وممن حكى إجماع العلماء على تحريم كل مسكر ابن قدامة في المغني (12/493) والنووي في شرحه على مسلم (4/240) والحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/33).

2- ما أسكر منه الكثير فالقليل منه حرام؛ لأنه وسيلة إليه، والوسائل لها حكم الغايات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وهو حديث صحيح جاء عن جماعة من الصحابة في كتب السنن الأربعة وغيرها، انظر «إرواء الغليل» للألباني (2375)، وفي سنن النسائي (5608) بإسناد على شرط مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيرة» ذكره مع غيره في: «باب تحريم كل شراب أسكر كثيره»، وختمه بقوله: «وفي هذا دليل على تحريم السكر قليله وكثيره، وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم بتحريمهم آخر الشربة وتحليلهم ما تقدمها الذي يشرب في الفَرَق قبلها، ولا خلاف بين أهل العلم أن السكر بكليته لا يحدث على الشربة الآخرة دون الأولى والثانية بعدها، وبالله التوفيق»، وقد أورد ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» تسعة وتسعين دليلاً على قاعدة سد الذرائع، ذكر في العاشر منها (3/151) تحريم الوسائل إلى الإسكار.

3- لا يجوز التداوي بالخمر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للذي سأله عن صناعة الخمر للتداوي به: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء» رواه مسلم (5141)، قال ابن القيم في كتابه المشار إليه آنفاً (3/163): «الوجه الحادي والسبعون: أنه نهى عن التداوي بالخمر وإن كانت مصلحة التداوي راجحة على مفسدة ملابستها، سدا لذريعة قربانها واقتنائها ومحبة النفوس لها، فحسم عليها المادة حتى في تناولها على وجه التداوي، وهذا من أبلغ سد الذرائع».

4- من أحسن الكلام وأحكمه في ذم الخمر قول ابن الوردي في عجز بيت من لاميته: «كيف يسعى في جنونٍ مَن عَقل»؟! فإن من أعجب العجب سعي من كان عاقلاً لأن يكون مجنوناً!! قال ابن رجب الحنبلي كما في مجموع رسائله (1/281): «واعلم أن شرب الخمر لو لم يرد الشرع بتحريمه لكان العقل يقتضي تقبيحه؛ بما فيه من إزالة العقل الذي به شرف الآدمي على الحيوانات فيصير مشاركاً لبقية البهائم أو أسوأ حالاً منها»، وقد سمعت من شيخي الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله حكاية عن سكران بال في يديه وغسل وجهه ببوله وهو يقول الحمد لله الذي أنزل لنا من السماء ماء طهوراً، وفي هذه الحكاية أبلغ زاجر لكل من ابتلي بشرب الخمر أن يربأ بنفسه عن مشابهة هذا السكران الذي جلب لنفسه الجنون ففعل ما فعل وقال ما قال.

5- سرد ابن القيم في كتابه: «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» (ص113) ألواناً كثيرة من آفات الخمر وأضرارها؛ فقال: «الصداع واللغو والغول والإنزاف وعدم اللذة فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا تغتال العقل ويكثر اللغو على شربها بل لا يطيب لشرابها ذلك إلا باللغو وتنزف في نفسها وتنزف المال وتصدع الرأس وهي كريهة المذاق وهي رجس من عمل الشيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتدعو إلى الزنا وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم وتذهب الغيرة وتورث الخزي والندامة والفضيحة وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان وهم المجانين وتسلبه أحسن الأسماء والسمات وتكسوه أقبح الأسماء والصفات وتسهل قتل النفس وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قياما له ولم يلزمه مؤونته وتهتك الأستار وتظهر الأسرار وتدل على العورات وتهون ارتكاب القبائح والمآثم وتخرج من القلب تعظيم المحارم ومدمنها كعابد وثن، وكم أهاجت من حرب وأفقرت من غني وأذلت من عزيز ووضعت من شريف وسلبت من نعمة وجلبت من نقمة وفسخت من مودة ونسجت من عداوة، وكم فرقت بين رجل وزوجته فذهبت بقلبه وراحت بلبه، وكم أورثت من حسرة وأجرت من عبرة، وكم أغلقت في وجه شاربها بابا من الخير وفتحت له بابا من الشر، وكم أوقعت في بلية وعجلت من المنية، وكم أورثت من خزية وجرت على شاربها من محنة وجرأت عليه من سفلة، فهي جماع الإثم ومفتاح الشر وسلابة النعم وجالبة النقم، ولو لم يكن من رذائلها إلا أنها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة» لكفى، وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا».

6- المشهور في تعريف الكبيرة ما كان لها حد في الدنيا أو تُوعد عليها بلعنة أو غضب أو نار ونحو ذلك، وشرب الخمر من الكبائر وقد تقدم ذكر الحديث في لعن عشرة فيها، والحد في شربها أربعون أو ثمانون؛ ففي صحيح مسلم (4452) عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «أُتي برجل شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبدالرحمن: أخفّ الحدود ثمانين، فأمر به عمر»، وفي صحيحه أيضاً (4457) قول علي رضي الله عنه: «جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌ سنة، وهذا أحب إلي» يعني جلد أربعين.

7- أما المخدرات التي ظهرت أخيراً فأضرارها عظيمة وأخطارها جسيمة، وهي تهدم قوة الجسم والعقل وتمرض القلب، والمستهدف فيها الشباب، ولحكومة بلاد الحرمين وفقها الله جهود عظيمة في مكافحة هذا البلاء وإنزال العقوبات الشديدة على من يهربها إلى هذه البلاد أو يروجها فيها، وعلى كل شاب أن يحذر تعاطيها، لاسيما في أوقات الاختبار التي يقال عنها بمناسبتها إنها من المنشطات، ويجب على أولياء أمور الشباب متابعتهم لئلا يقعوا فريسة لهذه الآفات.

وأسأل الله عز وجل أن يوفق المسلمين في كل مكان لما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وأن يهدي شبابهم ويوفقهم لما تحمد عاقبته، وأن يحفظ على هذه البلاد أمنها وإيمانها وسلامتها وإسلامها، إنه سميع مجيب.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.